ابن قيم الجوزية
127
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
قال الشافعي : تأويله واللّه أعلم ، أنّ العرب كان شأنها أن تذم الدهر ، وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم ، من موت أو هرم أو تلف أو غير ذلك ، فيقولون : إنما يهلكنا الدهر ، وهو الليل والنهار ، ويقولون : أصابتهم قوارع الدهر ، وأبادهم الدهر ، فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء ، فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم ويفعل بهم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسبوا الدهر » « 1 » على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء ، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون اللّه تبارك وتعالى ، فإنه فاعل هذه الأشياء . وفي حديث أنس يرفعه : « اطلبوا الخير دهركم كله ، وتعرّضوا لنفحات رحمة اللّه ، فإن للّه عز وجل سحائب من رحمته ، يصيب بها من يشاء من عباده ، وسلوا اللّه أن يستر عوراتكم ، ويؤمّن روعاتكم » « 2 » . وفي الصحيحين « 3 » ، من حديث عبادة بن الصامت قال : كنا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « تبايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئا ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، فمن وفى منكم ، فأجره على اللّه ، ومن أصاب من ذلك شيئا ، فعوقب به ، فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره اللّه فهو إلى اللّه ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له » . وفيهما أيضا من حديث احتجاج الجنة والنار قول اللّه للجنة : « أنت رحمتي ، أرحم بك من أشاء ، وللنار : أنت عذابي ، أعذب بك
--> ( 1 ) هذا اللفظ رواه مسلم ( 2246 ) ( 5 ) عن أبي هريرة . ( 2 ) ضعيف . رواه ابن أبي الدنيا في « الفرج بعد الشدة » ( 27 ) ، والبيهقي في « الشعب » ( 1121 ) ، والطبراني ( 720 ) ، وأبو نعيم ( 3 / 162 ) ، والقضاعي ( 701 ) عن أنس ، وفيه عيسى بن موسى بن إياس بن البكير : ضعفه أبو حاتم . ورواية ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة . ( 3 ) البخاري ( 18 ) ، ومسلم ( 1709 ) .